فخر الدين الرازي
494
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ولذلك قال عليه السلام : « ليليني منكم أولو الأحلام والنهى » ولذلك كان يقدم الأفاضل من أصحابه ، وكانوا لكثرتهم يتضايقون ، فأمروا بالتفسح إذا أمكن ، لأن ذلك أدخل في التحبب ، وفي الاشتراك في سماع ما لا بد منه في الدين ، وإذا صح ذلك في مجلسه ، فحال الجهاد ينبغي أن يكون مثله ، بل ربما كان أولى ، لأن الشديد البأس قد يكون متأخرا عن الصف الأول ، والحاجة إلى تقدمه ماسة فلا بد من التفسح ، ثم يقاس على هذا سائر مجالس العلم والذكر . أما قوله تعالى : يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ فهو مطلق في كل ما يطلب الناس الفسحة فيه من المكان والرزق والصدر والقبر والجنة . واعلم أن هذه الآية دلت على أن كل من وسع على عباد اللَّه أبواب الخير والراحة ، وسع اللَّه عليه خيرات الدنيا والآخرة ، ولا ينبغي للعاقل أن يقيد الآية بالتفسح في المجلس ، بل المراد منه إيصال الخير إلى المسلم ، وإدخال السرور في قلبه ، ولذلك قال عليه السلام : « لا يزال اللَّه في عون العبد ما زال العبد في عون أخيه المسلم » . [ في قوله تعالى وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا إلى قوله وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ] ثم قال تعالى : وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ / دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : إذا قيل لكم : ارفعوا فارتفعوا ، واللفظ يحتمل وجوها أحدها : إذا قيل لكم : قوموا للتوسعة على الداخل ، فقوموا وثانيها : إذا قيل : قوموا من عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ولا تطولوا في الكلام ، فقوموا ولا تركزوا معه ، كما قال : وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ [ الأحزاب : 53 ] وهو قول الزجاج وثالثها : إذا قيل لكم : قوموا إلى الصلاة والجهاد وأعمال الخير وتأهبوا له ، فاشتغلوا به وتأهبوا له ، ولا تتثاقلوا فيه ، قال الضحاك وابن زيد : إن قوما تثاقلوا عن الصلاة ، فأمروا بالقيام لها إذا نودي . المسألة الثانية : قرئ : انْشُزُوا بكسر الشين وبضمها ، وهما لغتان مثل : يَعْكُفُونَ ويعكفون [ الأعراف : 138 ] ، و يَعْرِشُونَ * ويعرشون * [ الأعراف : 137 ] . واعلم أنه تعالى لما نهاهم أولا عن بعض الأشياء ، ثم أمرهم ثانيا ببعض الأشياء وعدهم على الطاعات ، فقال : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ أي يرفع اللَّه المؤمنين بامتثال أوامر رسوله ، والعالمين منهم خاصة درجات ، ثم في المراد من هذه الرفعة قولان : الأول : وهو القول النادر : أن المراد به الرفعة في مجلس الرسول عليه السلام والثاني : وهو القول المشهور : أن المراد منه الرفعة في درجات الثواب ، ومراتب الرضوان . واعلم أنا أطنبنا في تفسير قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] في فضيلة العلم ، وقال القاضي : لا شبهة أن علم العالم يقتضي لطاعته من المنزلة مالا يحصل للمؤمن ، ولذلك فإنه يقتدي بالعلم في كل أفعاله ، ولا يقتدي بغير العالم ، لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات ، ومحاسبة النفس مالا يعرفه الغير ، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره ، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا يعرفه غيره ، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره ، وفي الوجوه كثرة ، لكنه كما